اديسون…فتى لا يعرف اليأس …

” إن أمي هي التي صنعتني… لأنها كانت تحترمني وتثق في… أشعرتني أني أهم شخص في الوجود…. فأصبح وجودي ضروريا من أجلها، وعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلني قط ”
وقفت أمام صورة لطفل في الرابعة… عيونه خضراء رمادية لا ترى فيها شيء… رأسه الكبير يوحي بمشكلة تكوينية إذا أضفتها الى عدم استطاعته الكلام، شخصته في الحال على أنه متأخر نوعا ما!
ثم انطلق لسانه فجأة فكان لا يتحدث إلا سائلا… مع اديسون، لا تستطيع أن تقفز مرحلة الطفولة إلى الشباب، فهو لم يكن طفل عادي….

أمه مدرسة تهتم بالأدب والقراءة… وتوماس الصغير ذهب إلى المدرسة ذات الفصل الواحد مع 39 طفل…ولكنه ليس ككل الأطفال… إنه لا يكف عن الملاحظة والسؤال… ويلفت انتباهه أشياء غريبة جدا… وبعد 4 شهور لم تكتمل، أعلن مدرسه أنه طفل غير طبيعي ومتأخر ذهنيا.
ولم يغب عن الأم المشكلة فقامت بسحب توماس من المدرسة وبدأت تعلمه بنفسها في البيت وتنمي بداخله حب الدراسة، واقتصر دور أبيه على منحه 11 سنتات عن كل انجاز.
أليس عجيبا أن نتحدث عن انجازات طفل في الحادية عشرة؟ أعجب من العجب… والأغرب هو اختيار نوع الإنجاز… لقد بدأ آل الصغير )اسمه بالكامل توماس الفا اديسون( مشروعه الأول: قراءة كل كتاب في المبنى… وهذا المبنى كان بيتهم الذي يحتوي على مكتبة كبيرة… وقامت الأم المراقبة بتوجيهه في القراءة إلى التاريخ والعلوم الإنسانية وأحب توماس الشعر والأدب جدا… ولولا أن صوته كان حادا لاتجه إلى التمثيل… وكانت هذه بداية الطريق إلى التعليم الذاتي.
عند بلوغه الثانية عشرة، كان اديسون قد انتهى من مجموعة قيمة جدا من أمهات الكتب، من بينها قاموس العالم للعلوم والكيمياء التطبيقية!
ورغم كل الحب والرغبة في العطاء الذي حاولت أمه منحه إياها، فقد بدأ فضول الصبي اليافع يتعدى امكاناتها… حين تعجب من بعض أسس قواعد الفيزياء التي وضعها نيوتن، فما كان منها إلا أن انتدبت له مدرسا ليعلمه، ولكن… لم يستطع المعلم أن يجاري رأس توماس وسرعة منطقه في تفنيد النظريات، وكان أن رحل تاركا عند تلميذه العقيدة الأكيدة ان أفضل شيء هو التجريب والخطأ.
لم يكن هناك على وجه البرية ما يُعجز توماس اديسون ولم يمانع قط في بذل أي مجهود لكسر أي تحدي مهما كان، وما زلنا نتحدث عن صبي الثانية عشرة، الذي بدأ يفقد السمع تدريجيا… نعم، يفقد حاسة السمع، فهل كان هذا عائقا؟ بالطبع لا! إن آل يجد لنفسه دائما وسيلة للتغلب على أي مشكلة أو الاستفادة منها.
أقنع توماس والديه أن يسمحوا له بالعمل فكان يبيع الجرائد والحلوى في محطات القطار… ولم يكتف بذلك، بل بدأ مشروعه الخاص ببيع الخضار والفاكهة للناس… كان يحتاج دائما للمال ليجرب ما يفكر فيه ولم يكن يستطيع رغم دخل أبيه المعقول أن يطلب منه دائما.
هل ترونه معي…فتى في الثانية عشرة… رأسه كبير…صوته رفيع… لا يكاد يسمع…لم يتعلم في أي مدرسة!!!
ماذا تفعل لو عمرك 14 سنة واندلعت في موطنك حربا أهلية وأنت تعمل كبائع للجرائد والحلوى في قطار؟ فيم تفكر؟ ربما في الاعتزال خوفا من المعارك… ربما في البحث عن عمل آخر في مكان أكثر أمنا… هل تعرف كيف استغل توماس الفرصة؟
إن محطة القطار فيها مقر التلغراف الرئيسي الذي يتم ارسال الأخبار إليه والمراسلات… فقام توماس بطباعة منشور بسيط فيه أحدث تطورات الأزمة يوم بيوم وبيعه للركاب… أول جريدة من نوعها في العالم تكتب وتطبع وتوزع في قطار… وعمره 14 سنة.
حين انتصر ابراهام لينكولن، قام اديسون بجمع معلومات عنه وطبعها في كتيب صغير وزعه على ركاب القطارات.
إن المرء يكاد يلهث وراء قدراته على التفكير واستغلال المتاح… ولكن اديسون صاحب ال 1199 اختراع المنفذة وآلاف أخرى احتوت عليها مفكرته لم يمهله العمر لتنفيذها.
نتيجة لخطأ غير مقصود تسبب توم في حدوث شرارة نار أحرقت احدى عربات القطار. كان جزاء ذلك صفعة قوية على الرأس أدت الى صمم كامل في أذن والأخرى 71 %. فقد السمع وحرم من صعود القطارات ليقتصر بيعه على المحطة فقط.
ما أتعس حظك أيها الفتى، لابد أنك ظللت تبكي وتندب هذا الحظ العاثر.
أبدا !!
لقد اعتاد توماس على تقبل قدره في الحياة والتكيف معه…لقد اعتبر هذا الصمت من حوله فرصة لتنمية قدراته على التركيز…
حدث أنه في أحد لحظات تواجده في محطة القطار أن رأى طفلا يكاد يسقط على القضبان، فقفز المراهق الشاب لينقذه بدون حتى أن يعلم أنه ابن رئيس المحطة… وكمكافأة لهذه الشجاعة النادرة، عينه الرجل في مكتب التلغراف وعلمه قواعد لغة مورس…ويعتبر هذا فتحا كبيرا وكأنك علمت طفل في الرابعة عشرة حاليا أعقد وأحدث لغات الكمبيوتر.
كانت فرصة اديسون الكبرى في أن يجرب تطوير هذا الشيء الذي بين يديه، مما نتج عنه أول اختراعاته… التلغراف الآلي… أي الذي لا يحتاج الى شخص في الجهة الأخرى لاستقباله، بل يترجم العلامات بنفسه الى كلمات مرة أخرى.
في الخامسة عشرة، اظلمت الدنيا في بيته الصغير فأفلس والده ومرضت أمه فقبل العمل في شركة ويسترن يونيون وسافر ابن 15 عام ليبدأ ويجرب حياة أخرى في مكان آخر…
هل نستكمل؟
نحتاج لمجلدات لنصف الشاب القصير ذو خصلة الشعر الطائرة على جبهته.
في لقطة فلمية غريبة اشتد الألم على أمه في احدى الليالي وقرر الطبيب أنها تحتاج لجراحة ولكن عليها الانتظار للصباح.
– ولكن يا سيدي انها لا تحتمل الألم… إنه قد يقتلها من شدته قبل الصباح.
– وماذا أستطيع أن أفعل يا بني، أحتاج الى إضاءة.
ودون توماس في مفكرته… لا بد من ايجاد وسيلة للحصول على الضوء ليلا أقوى من ضوء الشموع. هل ترون كم هي بسيطة مشاريع النجاح؟ إن توماس اديسون كان له في كل لحظة مشروع… ذلك أنه كان دائم النظر حوله للاستفادة من كل الناس… كان مراقبا جيدا يتابع ويراقب ويجرب.
أجرى اديسون ألف تجربة فاشلة قبل الحصول على مصباح حقيقي… وكان تعليقه في كل مرة.: هذا عظيم… لقد أثبتنا أن هذه أيضا وسيلة فاشلة في الوصول للاختراع الذي نحلم به… قالها ألف مرة ولم يتوقف. ولم يمل…ولم يحبط…
كان توماس اديسون الذي مات في الرابعة والثمانين مؤسس التطور الحديث الذي نعيشه اليوم… وإذا كان العالم يذكره على أنه مخترع المصباح الكهربائي فإن البطارية الجافة وماكينة السينما المتحركة ليستا بأقل أهمية منها…
نقول ذلك عنه لعلنا نتعلم منه.